أبي بكر جابر الجزائري
532
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ : أي تجمعون إليه بعد إحيائكم وخروجكم من قبوركم . وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ : أي إليه تعالى إيجاد الليل والنهار وظلمة الليل وضياء النهار . أَ فَلا تَعْقِلُونَ : فتعرفوا أن اللّه هو المعبود الحق إذ هو الرب الحق . إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ : أي ما تقولون من البعث والحياة الثانية ما هو إلا حكايات وأساطير وأخبار الأولين ، والأساطير جمع أسطورة أي حكاية مسطرة مكتوبة . معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في دعوة المنكرين للبعث الآخر إلى الإيمان به بعرض الأدلة العقلية عليهم لعلهم يؤمنون فقال تعالى لهم : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ « 1 » السَّمْعَ « 2 » وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي اللّه الذي خلق لكم أسماعكم وأبصاركم وقلوبكم قادر على إحيائكم بعد موتكم وحشركم إليه تعالى ليحاسبكم ويجزيكم ، وقوله : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ « 3 » يوبخهم تعالى على كفرانهم نعمه عليهم ، إذ أوجد لهم أسماعا وأبصارا وأفئدة ولم يحمدوه على ذلك ولم يشكروه بالإيمان به وبطاعته . وقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي خلقكم في الأرض ، وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إذ الذي قدر على خلقكم في الأرض قادر على خلقكم في أرض أخرى بعد أن يميتكم ويحشركم أي يجمعكم إليه ليحاسبكم ويجزيكم . وقوله : وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي « 4 » وَيُمِيتُ أي يحيي النطفة بجعلها مضغة لحم ثم ينفخ فيها الروح فتكون بشرا ، ويميتكم بعد انقضاء آجالكم أليس هذا قادرا على إحيائكم بعد موتكم . وقوله تعالى : وَلَهُ اخْتِلافُ « 5 » اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ أي وللّه تعالى اختلاف الليل والنهار بإيجادهما وتعاقبهما وإدخال أحدهما في الآخر أفلا « 6 » تعقلون أنّ من هذه قدرته وتصاريفه في خلقه قادر على بعثكم بعد إماتتكم وقوله تعالى : بَلْ قالُوا مِثْلَ « 7 » ما قالَ الْأَوَّلُونَ أي بدل
--> ( 1 ) هذا الكلام الإلهي ، استدلال وامتنان فقد عرّفهم بكمال قدرته وعظيم مننه . ( 2 ) جائز أن يكون لهم شكر قليل ، وجائز أن يكون لا شكر لهم البتة ، وإنما هو من باب الاحتراس كيلا ينقض الخبر . بأدنى شكر منهم . ( 3 ) جمع الأبصار والأفئدة باعتبار تعدد الأفراد ، ووحد السمع لأنه مصدر فجرى على الأصل . ( 4 ) هذه بعض مظاهر القدرة الإلهية الموجبة لعبادته وحده ، والموجبة لتصديقه فيما واعد به وأوعد ، من نعيم الآخرة وعذابها . ( 5 ) وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ هذه اللام : لام الاختصاص إذ لا قدرة لكائن سواه على اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر ، والضياء والظلام ، وما يجري فيهما من تصاريف الكائنات على اختلافها وتنوعها . ( 6 ) الاستفهام إنكاري ينكر عليهم عدم تعقلهم وفهمهم لدلائل التوحيد والبعث والجزاء ، والفاء : للتفريع إذ هذا الكلام متفرع على ما تقدم من الأدلة في السياق . ( 7 ) في هذا التفات من الخطاب إلى الغيبة لأنّ الكلام انتقل من التقريع إلى حكاية ضلالهم ، وبل : للاضراب الإبطالي أي : أبطل كونهم يعقلون مع إثبات إنكارهم للبعث مع علّة الإنكار وهي : تقليدهم لآبائهم .